" جروح الطفولة "

جرح الام - جرح الاب - الطفولة ...

عندما نتحدث عن جرح الأم وجرح الأب فنحن لا نتحدث عن حدث واحد أو موقف واحد، بل عن الطريقة التي تشكل بها الإنسان منذ سنواته الأولى، لأن الطفل لا يرى والديه كأشخاص عاديين، بل يراهما العالم كله، لذلك فإن كلمة عابرة أو نظرة رفض أو غياب متكرر قد تُخزن في الجهاز العصبي بطريقة تختلف تمامًا عن الطريقة التي يتذكرها بها الشخص في الكبر. جرح الأم غالبًا يرتبط بالشعور بالأمان والاحتواء والاستحقاق، لأن الأم بالنسبة للدماغ في بداية الحياة تمثل مصدر البقاء، فالرضيع لا يميز بين نفسه وبينها، وعندما تكون الأم متقلبة عاطفيًا، أو باردة، أو كثيرة الانتقاد، أو مشغولة دائمًا، أو تمنح الحب بشروط، قد ينمو الطفل وهو يحمل شعورًا داخليًا يصعب وصفه، كأنه يبحث طوال حياته عن شخص يطمئنه بأنه يستحق الحب، حتى لو كان ناجحًا أو محبوبًا من الجميع، وقد يفسر أي تجاهل بسيط على أنه رفض كامل، لأن الدماغ يربط الحاضر بمشاعر قديمة جدًا. أما جرح الأب فيرتبط عند كثير من الناس بالشعور بالحماية والقيمة والقدرة على مواجهة العالم، فوجود الأب الداعم أو غيابه أو قسوته أو خوفه أو انتقاده المستمر يترك بصمة مختلفة، وقد يشعر الطفل الذي عاش مع أب كثير الانتقاد بأنه مهما أنجز فلن يكون كافيًا، أو قد يصبح شخصًا يبالغ في الإنجاز حتى يثبت أنه يستحق التقدير، بينما يعيش آخرون حالة معاكسة تمامًا فيتجنبون المحاولة أصلًا خوفًا من الفشل، لأن الفشل بالنسبة لهم لا يعني خسارة تجربة فقط بل يعني إعادة إحياء إحساس قديم بعدم القبول. كثير من المختصين في علم النفس التنموي يتحدثون عن أن الطفل لا يتذكر الطفولة كما يتذكرها البالغ، بل يتذكرها جسده أيضًا، ولذلك ظهرت دراسات في مجال الصدمات النفسية تشير إلى أن التعرض المزمن للضغط في الطفولة قد يجعل الجهاز العصبي في حالة استعداد دائم للخطر، حتى عندما يصبح الشخص بالغًا ويعيش في بيئة آمنة، فيصبح قلبه ينبض بسرعة في المواقف العادية، أو يشعر بالتوتر دون سبب واضح، أو يبالغ في تفسير تعابير وجوه الآخرين، لأن الدماغ تعلم منذ الصغر أن يبحث عن الإشارات التي تدل على الخطر قبل أن يحدث. وهناك مفهوم يسمى أنماط التعلق، وهو يشرح كيف تؤثر العلاقة المبكرة مع مقدمي الرعاية على العلاقات المستقبلية، فبعض الأشخاص يصبحون شديدي التعلق ويخافون من الهجر، وبعضهم يتجنبون القرب العاطفي لأنهم تعلموا أن الاعتماد على الآخرين مؤلم، وبعضهم يعيش حالة متذبذبة بين الاقتراب والابتعاد في الوقت نفسه. ومن المثير للاهتمام أن الدماغ لا يهتم فقط بما حدث فعلًا، بل بالطريقة التي فسر بها الطفل ما حدث، فالطفل بطبيعته يتمركز حول ذاته، فإذا تشاجر والداه قد يظن أنه السبب، وإذا انشغلت أمه عنه قد يعتقد أنه غير مهم، وإذا كان أبوه صامتًا دائمًا فقد يظن أنه لا يستحق الكلام معه، رغم أن الأسباب الحقيقية قد تكون بعيدة تمامًا عنه. لهذا السبب قد يعيش شخصان في المنزل نفسه ويخرجان بذكريات نفسية مختلفة تمامًا، لأن إدراك كل طفل يختلف بحسب عمره وشخصيته وحساسيته. وفي السنوات الأخيرة انتشرت أفكار كثيرة حول جروح الطفولة عند بعض المدربين والمتحدثين في التنمية الذاتية، ومن بينهم سمية الناصر، التي تتحدث كثيرًا عن جرح الأم وجرح الأب وتربطهما بأنماط العلاقات واختيار الشريك وتقدير الذات وبعض السلوكيات المتكررة. لكن من المهم معرفة أن جزءًا من هذه الطروحات مستوحى من مفاهيم نفسية معروفة، بينما بعض التفاصيل والتقسيمات التي تُطرح في هذا المجال ليست جميعها مدعومة بأدلة علمية قوية أو بإجماع بين علماء النفس، لذلك يمكن اعتبارها تفسيرات أو نماذج شخصية أكثر من كونها حقائق علمية مثبتة بالكامل. أما من الناحية العلمية، فهناك بالفعل أدلة على أن الخبرات المبكرة قد تؤثر في طريقة عمل الدماغ والجهاز العصبي والهرمونات، خاصة إذا كانت الضغوط شديدة أو مستمرة، لكن لا يمكن تفسير كل مشكلة في حياة الإنسان بأنها ناتجة عن جرح أم أو أب فقط، لأن الشخصية تتشكل أيضًا من عوامل وراثية وبيئية واجتماعية وثقافية وتجارب لاحقة. ومن أكثر الأمور التي تثير فضول الناس العلاقة بين الصدمات النفسية والوزن، وهنا توجد معلومات علمية مثيرة فعلًا، فالتوتر المزمن قد يرفع مستوى هرمون الكورتيزول لفترات طويلة، وهذا الهرمون يؤثر في الشهية عند كثير من الأشخاص، فيزيد الرغبة في الأطعمة الغنية بالسكر والدهون لأنها تنشط نظام المكافأة في الدماغ وتمنح شعورًا مؤقتًا بالراحة، كما أن ارتفاع الكورتيزول قد يرتبط بزيادة تراكم الدهون الحشوية حول البطن عند بعض الناس، خاصة إذا ترافق مع قلة النوم وقلة الحركة، لكن العلاقة ليست واحدة عند الجميع، فهناك أشخاص يفقدون شهيتهم مع التوتر بدل أن تزداد. والدهون نفسها ليست مجرد مخزن للطاقة كما كان يُعتقد قديمًا، بل هي نسيج حي يفرز مواد كيميائية ورسائل هرمونية تؤثر في الجسم كله، وعندما تكبر الخلايا الدهنية قد تفرز مواد التهابية بدرجات منخفضة ومستمرة، لذلك ينظر العلماء اليوم إلى السمنة بوصفها حالة بيولوجية معقدة تتداخل فيها الهرمونات والوراثة والبيئة والنوم والضغط النفسي، وليس مجرد مسألة إرادة. وهناك دراسات وجدت أن الأطفال الذين تعرضوا لإهمال شديد أو إساءة أو ضغوط مزمنة لديهم في المتوسط احتمالية أعلى للإصابة بالسمنة أو الأمراض الاستقلابية في مراحل لاحقة من الحياة، لكن هذا لا يعني أن كل من تعرض لجرح في الطفولة سيصبح زائد الوزن، ولا أن كل شخص زائد الوزن تعرض بالضرورة لصدمة، فالعلاقة إحصائية وليست حتمية. ومن المعلومات الغريبة أن الدماغ يستهلك نسبة كبيرة من الطاقة التي يحصل عليها الجسم رغم أن وزنه صغير مقارنة ببقية الأعضاء، وعندما يعيش الإنسان في حالة يقظة دائمة بسبب الخوف أو القلق فإن دوائر الانتباه والإنذار تبقى أكثر نشاطًا، وهذا قد يؤثر في النوم والهرمونات والجوع واتخاذ القرارات، ولذلك يلاحظ بعض الناس أنهم يأكلون بسرعة أو دون انتباه أو يشعرون بأنهم لا يشبعون بسهولة في فترات الضغط النفسي. كما أن الطفل الذي لم يشعر بالأمان قد يبحث في الكبر عن الأمان بأشكال متعددة، فقد يجده في الطعام، أو في الإنجاز، أو في المال، أو في العلاقات، أو في السيطرة، أو في إرضاء الآخرين، أو في الانعزال، وليس لأن هذه الأشياء هي المشكلة بحد ذاتها، بل لأنها قد تصبح وسيلة لتنظيم المشاعر عندما لم يتعلم الشخص في طفولته طرقًا صحية لفهمها أو التعامل معها. ومن الظواهر التي يصفها علماء النفس أيضًا أن الإنسان قد ينجذب أحيانًا بشكل غير واعٍ إلى أشخاص يشبهون في أسلوبهم أحد والديه، ليس لأنه يحب الألم، بل لأن الدماغ يميل إلى المألوف حتى لو كان مؤلمًا، فالمألوف بالنسبة له أكثر قابلية للتوقع من المجهول، ولهذا قد تتكرر أنماط العلاقات نفسها عبر سنوات طويلة دون أن ينتبه الشخص إلى السبب. كما أن الذكريات المؤلمة ليست محفوظة دائمًا على شكل صور واضحة، بل قد تبقى على هيئة إحساس جسدي أو انفعال أو خوف أو رد فعل سريع لا يعرف الإنسان مصدره، لأن بعض الخبرات المبكرة تُخزن قبل اكتمال نضج المناطق الدماغية المسؤولة عن السرد اللفظي للذكريات. وفي النهاية فإن جروح الطفولة ليست دائمًا صاخبة، فقد يكون الجرح ناتجًا عن أشياء لم تحدث بقدر ما هو ناتج عن أشياء كان الطفل يحتاجها ولم يجدها، كأن يحتاج إلى حضن ولم يجده، أو إلى كلمة فخر ولم يسمعها، أو إلى شعور بالأمان ولم يشعر به، أو إلى من يصغي له بصدق ولم يجده، ولذلك قد يحمل الإنسان داخله آثار تلك التجارب لسنوات طويلة، ليس لأنها تحدد مستقبله بشكل مطلق، بل لأنها ساهمت في تشكيل الطريقة التي يرى بها نفسه والناس والعالم من حوله.