الثقة بالنفس ليست أن يشعر الإنسان بأنه أفضل من الآخرين، وليست أن يدخل أي مكان دون خوف أو أن يتحدث بصوت مرتفع أو أن ينجح في كل شيء، بل هي ببساطة العلاقة التي يحملها الإنسان مع نفسه عندما لا يصفق له أحد، والطريقة التي يرى بها قيمته عندما يخطئ أو يفشل أو يتعرض للرفض. كثير من الناس يعتقدون أن الثقة بالنفس تأتي من الإنجازات، لكن علم النفس يشير إلى أن الإنجازات قد تزيد الثقة عند البعض، إلا أنها لا تبنيها وحدها، لأن الشخص إذا كانت قيمته الداخلية مرتبطة فقط بالنجاح فسيصبح أول فشل كافيًا ليهز صورته عن نفسه بالكامل. لذلك قد ترى أشخاصًا ناجحين جدًا لكنهم يعيشون قلقًا دائمًا من فقدان مكانتهم، ويحتاجون باستمرار إلى إثبات أنفسهم، لأن مصدر الثقة عندهم خارجي وليس داخلي. ومن أكثر الأشياء التي تؤثر في الثقة بالنفس التنمر، لأن التنمر لا ينتهي غالبًا عند الموقف نفسه، بل قد يستمر داخل عقل الشخص سنوات طويلة، فالكلمات التي يسمعها الطفل أو المراهق عن شكله أو صوته أو وزنه أو ذكائه قد تتحول مع الوقت إلى صوت داخلي يكرر العبارات نفسها حتى بعد اختفاء المتنمر من حياته، ولهذا نجد أن بعض الأشخاص عندما يقفون أمام المرآة لا يرون أنفسهم كما هم فعلًا، بل يرون الصورة التي رسمها لهم الآخرون منذ سنوات، وقد أثبتت دراسات أن التعرض المستمر للتنمر يرتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب وانخفاض تقدير الذات وحتى زيادة احتمال الإصابة بالرهاب الاجتماعي، لأن الدماغ يتعلم أن وجود الناس قد يعني السخرية أو الإهانة، فيبدأ بإطلاق إشارات الخطر حتى في المواقف العادية. والرهاب الاجتماعي ليس مجرد خجل كما يظن البعض، فالخجل شعور طبيعي يمر به معظم الناس، أما الرهاب الاجتماعي فهو خوف شديد ومستمر من أن يكون الإنسان تحت ملاحظة الآخرين أو تقييمهم، وقد يشعر المصاب به بأن الجميع يراقبونه أو ينتبهون إلى أخطائه الصغيرة، بينما الحقيقة أن هناك ظاهرة نفسية معروفة تسمى "تأثير دائرة الضوء"، وهي ميل الإنسان إلى الاعتقاد بأن الآخرين يلاحظون تفاصيله أكثر بكثير مما يحدث في الواقع، بينما أغلب الناس منشغلون بأنفسهم وبكيف يبدون هم أيضًا. والخوف من النقد قد يجعل الإنسان ينسحب من فرص كثيرة، ليس لأنه غير قادر، بل لأنه يتخيل نتائج سلبية قبل أن تحدث، فيرفض التحدث أمام الناس، أو يخاف من نشر عمله، أو يؤجل أحلامه سنوات خوفًا من تعليق ساخر أو رأي سلبي، مع أن النقد في حياة البشر لا يمكن إيقافه، لأن الناس يختلفون في أذواقهم وقيمهم وتوقعاتهم. ومن المثير للاهتمام أن الدماغ يعامل الرفض الاجتماعي بطريقة تشبه تعامله مع الألم الجسدي، فقد أظهرت دراسات تصوير الدماغ أن بعض المناطق التي تنشط عند الشعور بالألم الجسدي تنشط أيضًا عند التعرض للرفض أو الإقصاء الاجتماعي، ولهذا قد يشعر الإنسان فعلًا بأن الكلمات تؤلمه، وليس ذلك مجرد تعبير مجازي. وهناك أشخاص يُوصفون في الثقافة الشعبية بالنرجسيين، ويُقصد بهذا أحيانًا من يسعون باستمرار إلى التقليل من قيمة الآخرين ورفع قيمة أنفسهم، لكن من المهم التمييز بين الشخص الذي يمتلك بعض الصفات النرجسية، وهو أمر قد يوجد بدرجات عند كثير من الناس، وبين اضطراب الشخصية النرجسية، وهو تشخيص نفسي له معايير محددة ولا يمكن إطلاقه على أي شخص متكبر أو أناني. وبعض الأشخاص الذين يميلون إلى السيطرة قد يستخدمون أساليب تقلل من استحقاق الآخرين، مثل السخرية المستمرة، أو التقليل من الإنجازات، أو المقارنة الدائمة، أو جعل الشخص يشك في نفسه، أو إعطائه شعورًا بأنه مهما فعل فلن يكون كافيًا، ومع مرور الوقت قد يبدأ الإنسان بتصديق هذه الرسائل إذا سمعها باستمرار، لأن الدماغ يتأثر بالتكرار، حتى لو كانت المعلومات غير صحيحة. ومن المصطلحات المنتشرة أيضًا "ممتصو الطاقة"، ورغم أنه ليس مصطلحًا علميًا معتمدًا في علم النفس، فإنه يستخدم لوصف أشخاص يخرج الإنسان من التعامل معهم وهو يشعر بإرهاق نفسي شديد، وقد يكون السبب أنهم يكثرون من الشكوى، أو يخلقون الصراعات باستمرار، أو يطالبون باهتمام دائم، أو يجعلون كل حديث يدور حولهم، أو ينقلون القلق والتوتر إلى من حولهم، وليس لأنهم يمتلكون طاقة خفية تمتص الآخرين، وإنما لأن التفاعل المستمر مع الضغوط والانفعالات السلبية يستهلك الانتباه والموارد النفسية والذهنية. ومن الظواهر الغريبة أن الدماغ يميل بطبيعته إلى تذكر التعليقات السلبية أكثر من الإيجابية، وهي ظاهرة تُعرف بالانحياز السلبي، فقد يتلقى الإنسان عشرين مديحًا ثم يظل يفكر أيامًا في تعليق واحد جارح، لأن الدماغ تطور عبر آلاف السنين ليعطي الأولوية لما قد يمثل خطرًا على البقاء، ولذلك يكون تأثير الكلمات القاسية أحيانًا أكبر من تأثير كلمات التشجيع. كما أن الإنسان الذي يقارن نفسه بالآخرين باستمرار قد يشعر بأن قيمته تتغير كل يوم، فإذا رأى شخصًا أجمل شعر أنه أقل جمالًا، وإذا رأى شخصًا أغنى شعر أنه أقل نجاحًا، وإذا رأى شخصًا أكثر شهرة شعر بأنه لا يساوي شيئًا، بينما المقارنة المستمرة تجعل تقدير الذات مرتبطًا بظروف خارجية لا تتوقف عن التغير. ومن أكثر الأفكار التي يتحدث عنها علماء النفس اليوم أن محاولة الإنسان أن يصبح نسخة أفضل من نفسه تختلف تمامًا عن محاولة أن يصبح نسخة من شخص آخر، لأن التطور الحقيقي لا يعني الوصول إلى الكمال، فالكمال هدف غير واقعي أصلًا، وإنما يعني أن يكون الشخص اليوم أكثر وعيًا أو معرفة أو اتزانًا أو مهارة مما كان عليه بالأمس، وأن يبني حياته بما يتوافق مع قيمه هو، لا مع توقعات الناس عنه. واللافت أن الأشخاص الذين يملكون شعورًا أكثر استقرارًا بقيمتهم لا يكونون عادةً الأكثر خلوًا من العيوب، بل الأكثر قدرة على تقبل وجودها دون أن يجعلوها تعريفًا كاملًا لأنفسهم، لأن الإنسان في النهاية ليس تعليقًا كتبه شخص غاضب، ولا رأيًا أطلقه متنمر، ولا مقارنة خسرها، ولا صورة عدلها أحد على مواقع التواصل، بل هو مجموعة كبيرة من التجارب والقدرات والصفات والعلاقات والاختيارات التي تتغير وتنمو مع الزمن، ولهذا فإن قيمة الإنسان لا يمكن قياسها بنظرة عابرة من شخص، ولا بعدد المعجبين، ولا بحجم الشهرة، ولا بمدى رضا الجميع عنه، لأن رضا الجميع أمر لم يستطع أي إنسان في التاريخ أن يحققه.
